علي بن محمد البغدادي الماوردي
359
أدب الدنيا والدين
لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ فأخبر بحالها ولم يأمر بها اكتفاء بما يقتضيه العقل واستغناء بما يبعث عليه الطبع ويعني بالظلال الشجر وبالأكنان جمع كن وهو الموضع الذي يستكن فيه ويعني بقوله سرابيل تقيكم الحرّ ثياب القطن والكتان والصوف وبقوله وسرابيل تقيكم بأسكم الدروع التي تقي البأس وهو الحرب . فإن قيل كيف قال تقيكم الحرّ ولم يذكر البرد وقال جعل لكم من الجبال أكنانا ولم يذكر السهل فعن ذلك جوابان أحدهما أن القوم كانوا أصحاب جبال وخيام فذكر لهم الجبال وكانوا أصحاب حرّ دون برد فذكر له معمته عليهم فيما هو مختص بهم وهذا قول عطاء . والجواب الثاني أنه اكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الآخر إذ كان معلوما أن السرابيل التي تقي الحر أيضا تقي البرد من اتخذ من الجبال أكنانا اتخذ من السهل وهذا قول الجمهور . وأما ستر العورة فقد اختلف الناس فيه هل وجب بالعقل أو بالشرع ؟ فقالت طائفة وجب سترها بالعقل لما في ظهورها من القبح وما كان قبيحا فالعقل مانع منه ألا ترى أن آدم وحواء لما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة تنبها بعقولهما لستر ما رأياه مستقبحا من سوءاتهما لأنهما لم يكونا قد كلفا ستر ما لم يبد لهما ولا كلفاه بعد أن بدت لهما وقبل سترها . وقالت طائفة أخرى بل ستر العورة واجب بالشرع لأنه بعض الجسد الذي لا يوجب العقل ستر باقيه وإنما اختصت العورة بحكم شرعي فوجب أن يكون ما يلزم من سترها حكما شرعيا . وقد كانت قريش وأكثر العرب مع ما كانوا عليه من وفور العقل وصحة الألباب يطوفون بالبيت عراة ويحرّمون على نفوسهم اللحم والودك ويرون ذلك أبلغ في القربة وإنما القرب ما استحسنت في العقل حتى انزل اللّه تعالى : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ « 1 » مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يعني بقوله خذوا زينتكم الثياب التي تستر عوراتكم وكلوا واشربوا ما حرمتموه على أنفسكم من اللحم
--> ( 1 ) عند كل مسجد : عند كل صلاة أو طواف .